محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
216
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
كان منازعا للنبوّة الأمّية ، ولو كان منازعا ما كتب إليه - صلوات اللّه عليه - : أمّا بعد فإنّ الأرض بيني وبينك نصفين ؛ فما أمكنه أن يدّعي النبوّة كما يدّعيها النبيّ ، ولا عرف ذلك ؛ ومتى تيسّر لغير النبيّ دعوى النبوّة على وجه تصحّ تلك الدعوى ؟ ومتى يتحقّق لغير الإنسان دعوى الإنسانية على وجه تصحّ تلك الدعوى ؟ ! فمتى قال مسيلمة أنا الذي بشّر بي جميع الأنبياء قبلي ، وسبيلي سبيلهم وكتابي مصدّق لكتابهم ودعوتي إلى التوحيد ونفي الأنداد دعوتهم : تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وممّن أخذ مسيلمة دينه ؟ وإلى من سلّم دينه ؟ ! فمن قبله ومن بعده ؟ ! إنّما جوابه : إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ . أظننت أنّ النبوّة ملك الأرض ؟ ! فما علمت نفس الدعوى فكيف تصحّ منك منازعة الدعوى ؟ ( 92 آ ) ولئن كان العجز عن معارضة المعجزة دليلا على صدق المدّعي ، فالعجز عن معارضة نفس الدعوى أدلّ على صدق المدّعي وأقطع للسان المنكر . وسرّ آخر : أنّ الآية المذكورة التي نحن في تفسيرها بظاهرها ومعانيها إخبار عن فطرة المدعوّ إليه ، بحيث لا يمكنه إنكار ذلك ؛ فالريب لم يتحقّق في تقرير النبوّة والتوحيد ؛ إذ ثبت بالفطرة أنّ المخبر صادق وأنّ الخبر عن التوحيد ونفي الأنداد صدق ، ولذلك أخبر التنزيل بلطف التقرير : فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ، فلا يمكنكم الشكّ فيه بعد العلم ، وإنّما الريب أن اعترض لكم فيما أنزلناه على عبدنا أنّه افتراه من عنده أو تعلّمه من غيره . فإن كان الريب في الافتراء : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ؛ وقال هاهنا : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ؛ وإن كان الريب من جهة التعلّم من غيره فقد علمتم حاله من منشأه إلى مبعثه أنّه نشأ أمّيا لم يقرأ كتابا ولا اختلف إلى أحد من أهل العلم ؛ وإن قلتم إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ، ف لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا أي لن تقدروا على ذلك ، كما قال : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وعلموا أنّما أنزل بعلم اللّه وأن لا إله إلّا هو ، وهاهنا : فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ .